المحقق البحراني
386
الحدائق الناضرة
جملة من الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى : فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثنى تقتضي الوجوب العيني ، إذ لا اشعار فيها بالتخيير بينها وبين فرد آخر خصوصا قوله عليه السلام ( 1 ) " من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه " فإنه لو جاز تركها إلى بدل لم يحسن هذا الاطلاق ، وليس فيها دلالة على اعتبار حضور الإمام عليه السلام أو نائبه بوجه بل الظاهر من قوله عليه السلام ( 2 ) " فإن كان لهم من يخطب جمعوا " وقوله ( 3 ) " فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم " خلافه كما سيجئ تحقيقه إن شاء الله تعالى وقال جدي في رسالته الشريفة التي وضعها في هذه المسألة بعد أن أورد نحو ما أوردناه من الأخبار ونعم ما قال : فكيف يسع المسلم الذي يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله والأئمة ( صلوات الله عليهم ) بهذه الفريضة وايجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها ويهملها إلى غيرها ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها وأمر الله ورسوله وخاصته ( صلوات الله عليهم ) أحق ومراعاته أولى ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " ( 4 ) ولعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني إن لم يعف الله ويسامح ( 5 ) نسأل الله العفو والرحمة بمنه وكرمه . انتهى .
--> ( 1 ) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها . ( 2 ) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها ( 3 ) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها ( 4 ) سورة النور الآية 63 ( 5 ) أقول : إن كان نظره " قدس سره " في ما ذكره إلى الفقيه وهو من تكون وظيفته الرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى الأدلة واستنباطها منها فاللازم على مثل هذا الشخص في هذه المسألة - كسائر المسائل الفقهية - أن يفحص بالمقدار الميسور له عن أدلتها وينظر فيها ويستفرغ وسعه ويعمل غاية جهده في ذلك ولا يكون منه أدنى تهاون في هذا الشأن ، ويلزمه العمل على طبق ما يؤدي إليه نظره إن أدى إلى اللزوم ، ويجزئه ذلك أن أدى إلى عدم اللزوم ويكون معذورا في مخالفة الواقع إن كانت كما هو واضح ، وعليه فإن تم بنظره ظهور الآية والأخبار في الوجوب التعييني وتحقق عنده الاجماع الكاشف عن قول المعصوم على عدم الوجوب التعييني فاللازم عليه أن يفتي بالوجوب التخييري لأن قول المعصوم يكون قرينة قطعية على عدم إرادة الظاهر منهما ، وإن لم يتحقق عنده الاجماع على ذلك فمن الواضح أنه يجب عليه الجري على ظواهر الأدلة الفتوى على طبقها ، وهل يحتمل في حق فقيه من فقهائنا أن يقصر في أمر الحكم الشرعي ويفتي بما لا يعتقد صحته بينه وبين الله ويعرض عن أمر الله تعالى ورسوله " صلى الله عليه وآله " المعلوم له بالدليل ويتعلل في ذلك بخلاف بعض العلماء ؟ كلا ثم كلا ، وإنما الخلاف والاشكال في تشخيص أمر الله وأنه بأي شئ تعلق . نعم هنا شئ ربما يوجب اطمئنان الفقيه بعدم كون الحكم هو الوجوب التعييني وإن تم بنظره ظهور الآية والأخبار فيه ولم يقم عنده اجماع على الخلاف وهو أنه إذا كان الفرض يوم الجمعة هو صلاة الجمعة على التعيين لكان اللازم - مع ظهور الآية فيه وورود الأخبار الكثيرة عنهم " ع " في شأنها بحد لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم " ع " في هذه المسألة من الأخبار البالغة في الاشتهار والانتشار والتهديد والتشديد والحث الأكيد إلى حد لا يقبل الانكار كما ذكر ذلك المصنف " قدس سره " في نهاية القول الثاني من الأقوال - اشتهار هذا الحكم بين أصحاب الأئمة " ع " والفقهاء وتسالمهم عليه بل كونه من الأمور الواضحة الضرورية بين جميع الشيعة كسائر الفرائض اليومية ، وحيث إن الأمر ليس كذلك بالوجدان - بل عمل الطائفة على عدم الوجوب التعييني في سائر الأعصار والأمصار كما ذكره الشهيد في كلامه الآتي ص 392 - يكشف ذلك عن أن الحكم الواضح المعروف بين أصحاب الأئمة " ع " لم يكن ذلك وإلا لاستمر ضوح الحكم إلى يومنا هذا وتواتر بحيث لم يكن فيه مجال للشك والارتياب . هذا كله إذا كان نظره إلى الفقيه الذي وظيفته الاستنباط وإذا كان نظره إلى من لم يبلغ مرتبة الاستنباط فمن الواضح أن وظيفته الرجوع إلى الفقيه وأخذ الحكم الشرعي منه ، وكل ما يفتي به من يجب عليه الرجوع إليه فهو حكم الله في حقه وليس له العمل بما يفهمه من الأخبار . وبما ذكرناه يظهر ما في الكلام المذكور من التهويل من دون أن يقتضيه دليل .